يرصد كمال طبيخة من القاهرة تطورات الدين الخارجي المصري، موضحًا أن مسار المديونية عاد إلى الارتفاع بعد عام من رسائل حكومية متفائلة بشأن الاستقرار وتعافي ثقة المستثمرين. ويشير إلى أن التزامات مصر الخارجية ارتفعت بنحو 2.48 مليار دولار في الربع الثالث من عام 2025 لتتجاوز 163 مليار دولار، وهو أعلى مستوى خلال سبعة أرباع، وفق بيانات البنك الدولي.

 

وذكر تقرير نشره ذا ناشيونال أن هذه الأرقام تكتسب أهمية خاصة لأنها تأتي بعد أشهر من تأكيد مسؤولين تحسن الانضباط المالي مع تجنب عرض تفاصيل شاملة حول إجمالي الدين الخارجي. وتكشف البيانات الجديدة صورة أوضح لحجم الالتزامات التي تواجه صناع القرار خلال عام 2026، الذي يصفه مراقبون بأنه عام مفصلي للاقتصاد المصري.

 

استحقاقات ثقيلة وهامش محدود للمناورة

 

يستحق نحو 28 مليار دولار خلال الربع الأول من عام 2026، ضمن إجمالي 66.6 مليار دولار يحين أجلها خلال 12 شهرًا حتى سبتمبر 2025، وفق جدول السداد الصادر عن البنك الدولي. ويترك هذا الجدول هامشًا ضيقًا أمام أي أخطاء في السياسات أو تأخر في تدفقات الاستثمار.

 

ورغم انخفاض طفيف في ديون الحكومة والبنك المركزي، ارتفعت التزامات القطاع المصرفي بنحو 1.3 مليار دولار، بينما أضافت قطاعات أخرى 2.43 مليار دولار. ويشكّل الدولار الأميركي قرابة ثلثي إجمالي الدين، ما يعرّض البلاد لضغوط محتملة إذا تجددت تقلبات سعر الصرف.

 

تعتزم الحكومة إعلان استراتيجية شاملة لإدارة الدين بنهاية الشهر، وتهدف إلى خفض كلفة خدمة الدين وتقليص نسبة الدين العام إلى نحو 68 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030. غير أن اقتصاديين يشككون في واقعية هذا الهدف في ظل حساسية الاقتصاد للصدمات الخارجية، كما حدث خلال جائحة كوفيد-19 والحرب الروسية الأوكرانية والحرب في غزة.

 

مراجعات صندوق النقد وإصلاحات مؤجلة

 

أكمل المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج التسهيل الممدد، إضافة إلى أول مراجعة ضمن مرفق المرونة والاستدامة. وأكد الصندوق أن سياسات الاستقرار بدأت تؤتي ثمارها، لكنه دعا إلى تسريع الإصلاحات الهيكلية العميقة.

 

انخفض التضخم إلى 11.9 في المائة في يناير، وارتفع النمو إلى 4.4 في المائة بدعم من سياسات نقدية ومالية مشددة وسعر صرف مرن وتدفقات خارجية أقوى. كما صعدت الاحتياطيات إلى نحو 59 مليار دولار مدفوعة بإيرادات السياحة وتحويلات العاملين في الخارج.

 

في المقابل، أشار الصندوق إلى بطء وتيرة تخارج الدولة من بعض الأصول، وضيق الحيز المالي نتيجة ارتفاع الدين واحتياجات التمويل الكبيرة. ودعا إلى تنفيذ كامل لاستراتيجية إدارة الدين، وتشديد الرقابة على الكيانات خارج الموازنة، وتسريع الخصخصة، إضافة إلى تقليص الإعفاءات الضريبية، خاصة في ضريبة القيمة المضافة.

 

مؤشرات تحسن ومخاطر كامنة

 

يرى الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة أن وضع الدين، رغم لفت الانتباه، ينبغي قراءته إلى جانب تحسن بعض المؤشرات الأساسية، مثل تراجع التضخم وزيادة الإيرادات الضريبية وارتفاع الفائض الأولي. وحققت مصر فائضًا أوليًا بلغ 3.5 في المائة في السنة المالية 2024-2025، مع توقعات ببلوغه 4.5 في المائة هذا العام.

 

وارتفع عدد السائحين إلى 19 مليونًا في 2025 بزيادة 21 في المائة، كما صعدت الصادرات غير النفطية 18 في المائة إلى 44 مليار دولار، ما ساعد على تقليص العجز التجاري ودعم الاحتياطيات. ومع ذلك، يشدد محللون على ضرورة ترجمة مكاسب الاستقرار إلى نمو يقوده القطاع الخاص ويوفر فرص عمل مستدامة بدل الاعتماد على مشروعات تقودها الدولة.

 

يثير مراقبون تساؤلات حول المرحلة التي تلي انتهاء برنامج صندوق النقد بنهاية العام، إذ يخشون تراجع وتيرة الإصلاح بعد انحسار الرقابة الدولية. ويؤكد خبراء أن استمرار الضغوط الديموجرافية يزيد العبء، بعدما ارتفع عدد السكان إلى نحو 110 ملايين نسمة خلال عقد واحد، إضافة إلى ملايين اللاجئين.

 

تتزامن هذه التحديات مع إجراءات لزيادة الإيرادات، مثل إعادة فرض رسوم جمركية مرتفعة على الهواتف المحمولة، وهو ما أثار انتقادات داخلية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة. ويحذر اقتصاديون من أن أي تصعيد إقليمي واسع قد يرفع أسعار الطاقة ويؤثر في إيرادات قناة السويس والسياحة، ما يعيد الضغوط سريعًا على مصادر النقد الأجنبي.

 

يقف الاقتصاد المصري عند مفترق طرق حاسم خلال 2026، حيث يفرض عبء الديون التزامًا صارمًا بالانضباط المالي وتسريع الإصلاحات، بينما يظل التعافي رهين قدرة الدولة على جذب الاستثمار الخاص وتعزيز متانة الاقتصاد في مواجهة الصدمات.

 

https://www.thenationalnews.com/business/economy/2026/02/28/debt-pressures-cast-shadow-over-egypts-economy-in-crossroads-year/